محمد الغزالي

119

خلق المسلم

قوله ، ويتجاوز عن الهفوات ، ويرثي للعثرات تكون منزلته عند اللّه . ومن ثم استنكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أبي بكر أن يلعن بعض رقيقه وقال : « لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعانا » « 1 » . وفي رواية : « لا يجتمع أن تكونوا لعانين وصدّيقين » « 2 » فأعتق أبو بكر أولئك الرقيق كفارة عما بدر منه لهم . وجاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول له : لا أعود . ذلك أن اللعن قذيفة طائشة خطرة ، يدفع إليها الغضب الأعمى أكثر مما يدفع إليها استحقاق العقاب . واستهانة الناس بهذه الدعوات الشداد لا تليق . لأنه لا يفلت من وبالها أحد . فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء ، فتغلق أبواب السماء دونها . ثم تهبط الأرض فتغلق أبوابها . ثم تأخذ يمينا وشمالا . فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن ، فإن كان أهلا . . . وإلا رجعت إلى قائلها » « 3 » . وقد حرّم الإسلام المهاترات السفيهة وتبادل السباب بين المتخاصمين . وكم من معارك تبتذل فيها الأعراض وتعدو فيها الشتائم المحرمة على الحرمات العزيزة ، وليس لهذه الآثام الغليظة من علة إلا تسلط الغضب وضياع الأدب . وأوزار هذه المعارك الوضيعة تعود على الموقد الأول لجمرتها . كما جاء في الحديث : « المستبّان ما قالا ، فعلى البادىء منها حتى يعتدي المظلوم » « 4 » . وملاك النجاة من هذه المنازعات الحادة تغليب الحلم على الغضب ، وتغليب العفو على العقاب . ولا شك أن الإنسان يحزنه أي تهجم على شخصه أو على من يحب ، وإذا واتته أسباب الثأر سارع إلى مجازاة السيئة بمثلها . ولا يقر له قرار إلا إذا أدخل من الضيق على غريمه بقدر ما شعر به هو نفسه من ألم .

--> ( 1 ) مسلم . ( 2 ) الحاكم . ( 3 ) أبو داود . ( 4 ) مسلم .